الراغب الأصفهاني

82

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وكتب المعتصم إلى ملك الروم جوابا عن كتاب تهدّده فيه : الجواب ما ترى لا ما تسمع ، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ، والسلام . وأمر المأمون عمرو بن مسعدة أن يكتب كتاب عناية موجزة فكتب : كتابي كتاب واثق بمن كتب إليه ، معتنى بمن كتب له ، ولن يضيع بين الثقة والعناية موصله . الإيجاز والإطناب « 1 » في محلّيهما قيل لأبي عمرو بن العلاء : لم كانت العرب تطيل ؟ قال : ليسمع منها . قيل : فلم توجز ؟ قال : ليحفظ عنها . وقد قال الشاعر في هذا المعنى : يرومون بالخطب الطّوال وتارة * وحي الملاحظ خيفة الرّقباء وقال ابن قدامة : البلاغة ثلاثة مذاهب : المساواة ، وهي مطابقة اللفظ والمعنى لا زائدا ولا ناقصا . والإشارة وهي أن يكون اللفظ كاللمحة الدالّة والتذييل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد ، ليظهر لمن لم يفهمه ، ويتأكد عند من فهمه . وقال شاعر : يكفي قليل كلامه وكثيره * ثبت إذا طال النّضال مصيب وأمر يحيى بن خالد كاتبين أن يكتبا في معنى ، فأوجز أحدهما وأطال الآخر ، فقال للموجز ، لمّا نظر في كتابه : لم أجد موضع مزيد . وقال للمطيل : لم أجد موضع نقصان . وقال جعفر بن يحيى : إذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار هذرا « 2 » ، وإذا كان التطويل واجبا كان التقصير عجزا « 3 » . استقباح إعادة الحديث قيل : الحديث الرجيع « 4 » كالحدث والرجيع . وقيل : إذا أعيد الحديث ذهب ضوؤه ورونقه . قال ابن السماك لجارية له تصغي إلى كلامه : كيف تجدين كلامي ؟ قالت : ما أحسنه إلا أنك تكثر ترداده قال إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه قالت إلى أن يفهمه من لم يفهمه ملّه من قد فهمه . وقيل لرجل يعيد كلاما لغبي : قد ثقل كلامك على الذكيّ قبل حصوله في قلب الغبي . ذمّ إطالة الحديث : قيل : من أطال حديثه فقد عرض أصحابه للسآمة « 5 » وطول الاستماع .

--> ( 1 ) الإطناب : الإطالة والإسهاب . ( 2 ) الهذر : سقط الكلام ، يقال رجل مهزار إذا خلط في منطقه وتكلّم بما لا ينبغي ، والمرأة مهذارة . ( 3 ) إن المعيار الدقيق للإيجاز والإطناب أو القصر والإطالة هو أن يراعي المتكلم مقتضى الحال وتلك هي البلاغة التي توجب أحيانا الإطالة وأحيانا الإقلال وعدم الإكثار . ( 4 ) الحديث الرجيع : هو الحديث المكرر أو الذي تردّد على لسان صاحبه . ( 5 ) السآمة : الملل والضجر .